خواطر وطموحات: أبي

عامر علي خليفة مصطفى الطويل

عامر علي خليفة مصطفى الطويل

بوي رحمة الله عليه توفى في رمضان وهو صايم بعد ماصلى العصر ورقد. توفى وهو على هالحالة. في فراشه.

كنت يومها نركب في مكيف والراجل لما جي بيحفر سألني هل نتوقع إن في خيوط كهرباء في الجيهة اللي بيحفر فيها، وترددت وقلت نسأل الوالد، لكن تراجعت وتفكرت إنه ماليشي هلبا كيف شبحته يخدم في الجنان، وقلت في نفسي علاش نضايق فيه توا اكيد راقد وصايم خليه يرتاح، وقتله أحفر وخلاص، وحفر وفعلاً ضربلي خيط كهرباء يضوي في لامبات البلكونة، وقتله الله غالب كمل.

ولحد اليوم نسأل في روحي زعمة شن كان حيصير لو مشيت ودورت الوالد؟ سؤال مش حنلقاله إجابة مقنعة.

ماكنتش مستعد نفسياً للموقف، والدي ماعمري نتفكر في يوم إنه مرض وتعب، ولو كان مرض مثلاً في آخر عمره ممكن كنت تهيات نفسياً لرحيله، لكن ببساطة صلى العصر وخش فراشه، وماناضش باش يحل صيامه.

رحل علينا بكل هدوء.

بعد أكثر من سنة من وفاته، تفكرت أني ماكنتش مواظب على جلسات وتهدريزات معاه على حاجات حلوة في حياتي، الصراحة كانت ديما حواراتنا إما مشاكل تصادف فيا أو مرض أو طلب نصيحة، يعني أغلبها وجع راس.

ماعمريش تفكرت إني نطلع بيه ندهورو مثلاً، او نعزمه على حوشي في جلسة هكي بدون مناسبة.

والدي من يوم كف معمر متع تأميم العقارات في ال1978 وهو مقعمز في الحوش ومش قادر يتأقلم مع الوضع القذافي، وهو اللي سماه بالكف مش اني.

حياته كلها كانت خالصة لينا حني. كل يوم وكل ساعة ودقيقة، مش مبالغة والله، راجل ماقعمزش على مقاعد الدراسة وكان يقولي اني مش بديت من الصفر، لو في حاجة تحت الصفر أني بديت منها، ويحكيلي كيف كان عمره 11 سنة حفيان ماعنداش شن يلبس في رجليه وكيف إن جدي رحمة الله عليه كان شديد وماشي بالبركة، لكن مع هذا بوي خلف وراه مهندسين.

ماكانش يطلع يقعمز مع صحاب مثلاً ولا عنده سهريات برا ولا شي، من الصبح لليل وهو يطقطق في الحوش، هادي شيشمة هادي بومبة هذا تاكو هذا فلترو للسيارة هذا يبي دوا هذا يبي توصيل هذا سمع بيه حرجان من هذا يمشيله ويهدرزله، هذا عنده مشكلة في العمل يكلمه.

يوم عادي تهدرزله فيه زوجتي على ضيق مكانات التخزين في حوشي، تاني يوم بدي يخطط ويهندس وخدملها دار خزين جنبها برفوفها وبسقفها ببابها باللي قدر عليه من غير شي. مجرد إنه شاف شخص عزيز عليه محتاج وهو يقدر إيدير شي. هذا هو بوي، مايستناكش تطلب منه شي.

الموضوع ممتد للعائلة برا الحوش، مش صغاره بس، ولو وصل الموضوع لمحاكم وقضايا كان يتقدم ويساعد ويعاون ومايستناش رد جميل، ولو يوقف قدام خوته وباقي عيلته كلها وأقرب الناس مقابل يوقف مع الضعيف وياخدله حقه، مايترددش، وهذا كله خلاه يخسر هلبا علاقات عائلية، ومع هذا ماكانش يعدل وإيمانه بربي كبير ومايعدلش على حكم الناس، وديما ينصح فيا ويحذر فيا من إني ننجرف ورا الناس ونخليهم يضحكو عليا، ويقولي في رب فوق يحاسب.

هذا الإنسان اللي كان مايروحش إلا آخر الليل من كثر تعب الخدمة والترس باش يوفر لصغاره لقمة عيش كريمة ويأمنلهم مستقبلهم ويبنيلهم حاجات يسترزقو بيها لما يكبرو، كان يبي أريحنا ومايخدمش إلا لينا، قعمز في الحوش بعد ما تم كنس كل املاكه بالقوة والغصب، ومع هذا استمر في حياته كالعادة، وسخرها كلها لينا بس.

الخسارة اللي خسرتها مش شخص عزيز بس، مش سند للظهر بس، الخسارة كانت ولن تكون إلا فقدان فرصة رد الجميل.

مش قادر نشوفه تاني ونحكيله كيف إني ناجح في مجال عملي.

مش قادر نشوفه تاني ونحكيله على ولدي شهاب كيف تحسنت حالته.

مش قادر نشوفه تاني ونحكيله قداش أني ممنون من نصائحه ليا.

مش قادر نشوفه ثاني ونقوله شكراً لأنك وفرت عليا عناء تجارب حزينة.

بانوراما لمقبرة الشط بشط الهنشير في طرابلس

بانوراما لمقبرة الشط بشط الهنشير في طرابلس حيث يتم وضع شاهد لقبر والدي في يسار الصورة

بوي رحل ومش حنقدر نحكيله قداش نحبه وقداش هو أب رائع ولا يقارن بأي أب تاني، مش عارف ممكن لو كان أب يكشخ ويعارك ومسيبنا وعايش حياته بشكل عادي زي أب تاني ممكن الفراق حيكون اهون.. مش عارف.

في قرارة نفسي مقتنع إن بوي يحبني ومفتخر بيا، خصوصاً يوم صورو معاي وثائقي المدونين الليبيين، كان فخور جداً، وغير هكي أني حاس بيه مرتاح لقراراتي في الدنيا وإختياري لرفيقة حياتي مثلاً، لكن ديما عندي شك في إنها مجرد اوهام يخلق فيها عقلي الباطن باش نحس براحة نفسية ونعيش من غير تأنيب، لأني مش قادر نقعز في حوار معاه ونعرف منه رأيه في كل هالمواقف والقرارات اللي درتها وهل كان مجرد يساير فيا ولا مقتنع بالفعل!

مش عارف هل ندور في المستحيل أو نحاول نرجع الشريط او هو مجرد إشتياق وخلاص.

ماعمريش ضايقته، وحتى يوم تواجدت في اماكن نقدر نرتكب فيها محرمات وكانت كل التسهيلات موجودة دون عواقب من أي حد، كنت متاكد من إن الحاجات هادي غلط وإني حنخيب ظن بوي فيا، بعيد على الدين اللي ملايين يقولو إنهم يطبقو فيه وهما ناسيينه، أني كان قدوتي بوي، وكان الرقيب عليا ودائماً ينصح ويحاول يستبق المواقف ويعطيني أسلحة نواجه بيها العقبات والمواقف اللي حتجيني.

من عمري تقريباً 10 سنين ممكن، وأني نتفكر فيه يقعمز معاي وينصح فيا، بمجرد غنه يشوفني ومن غير مانحكيله كلمة.

من كلمات أخي عبدالحكيم

من كلمات أخي عبدالحكيم

الحقيقة إني حالياً مش عارف كيف حنرضيه وهو رحل من هالدنيا، وأول حاجة تخطر في البال إني نكون أب مثالي لصغاري ونحاول نكون ديما زيه وأحسن، لكن هالفكرة مش كافيتني، بوي ماعمره مد إيده عليا، وأني مديتها على ولدي، وهذا أبسط مثال، لأني إنسان وعندي عيوب ومش حنقدر نكون زيه أبداً، مهما حاولت ونلقى مبررات لعيوبي، حنشوف بوي ديما احسن مني بمراحل والمواقف والذكريات دليلي.

نشوف فيها طريق مسدودة لأن الشخص اللي بنحاول نرضيه خلاص مش موجود معانا، وتأنيب الضمير هذا مش نافعني حالياً إلا في إنه يزيدني حزن وحسرة.

في يوم وفاة والدي مابكيتش ولاحتى بعده، وأكيد ماعنديش مفتاح الجنة، لكن متأكد من إنها مثواه الأخير إن شاء الله.

لما روحت من العزاء وتم كل شي، وطلعت ثاني يوم للبلكونة بنشوف حاجة، لقيت حاجات رزان مضمومات، بكيت، وبكيت هلبا، لأني عرفت بوي قامهم وخايف عليا نقيمهم لأني مداير عملية على ظهري، وهذا هو بوي، بصماته في كل مكان، في كل زليزة في الحوش.

عامر علي خليفة مصطفى الطويل

عامر علي خليفة مصطفى الطويل

هالمشاعر والأفكار والشعور بالإحباط والحسرة كلها كنت نبي نخليها ليا أني بروحي، بس قررت اليوم نكتب كل خلجات هالنفس باش تكون عبرة لغيري من اللي مازال عندهم الفرصة، ويقدر يوفي حق بوه ولو بكلمة طيبة.

خلي كلامي عبرة ليك، وماتخليش يفوت الوقت وتنسى لين يجيك يوم وتوقف مكاني وتتمنى يرجع الوقت وتفرح مع بوك. أفرح معاه اليوم، وكل يوم.

Advertisements

3 أفكار على ”خواطر وطموحات: أبي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s